الشيخ محمد رشيد رضا

6

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الاجتماعية ، فإن كان أحدهما خيرا محقا نسبت العداوة إلى الآخر الشرير المبطل لأنه هو الذي يسعى إلى إيذاء مخالفه بكل وسيلة يستطيعها لأنه مخالف وان كان يعلم أنه يريد الخير له . وليس كل مخالف مبطل عدوا يسعى جهده لايذاء مخالفه المحق ، وانما يتصدى لذلك العتاة المستكبرون المحبون للشهرة والزعامة بالباطل والمترفون الذين يخافون على نعيمهم ، فلم يكن كل كافر بالأنبياء عليهم السّلام ناصبا نفسه لعداوتهم وايذائهم وصد الناس عنهم بل أولئك هم العتاة المتمردون من الرؤسا والمترفين والقساة الذين ضربت أنفسهم بالعدوان والبغي ، وأولئك هم الشياطين المفسدون في الأرض ، سواء كانوا من جنس الانس الظاهر أو من جنس الجن الخفي ، وحكمة عداوة الأشرار للأخيار هي ما يعبر عنه في عرف علماء الاجتماع البشري بسنة تنازع البقاء بين المتقابلات التي تفضي بالجهاد والتمحيص إلى ما يسمونه [ سنة الانتخاب الطبيعي ] أي انتصار الحق وبقاء الأمثل التي ورد بها المثل في قوله تعالى من سورة الرعد ( أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً ، وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ ، كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ ، فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً ، وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ، كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ ) فالحياة الدنيا جهاد لا يكمل ويثبت فيها الا المجاهدون الصابرون ، وكذلك العمل فيها للآخرة ، ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ ؟ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ * وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) * ولكن أكثر الناس حتى من أهل الحق بله غيرهم يجهلون هذه السنن الحكيمة العالية وإذا ذكرت لهم يشتبهون في تطبيقها على أنفسهم وعلى غيرهم كما اشتبه كثير من المسلمين في سبب خذلان دولهم وسقوط حكوماتهم ظانين ان مجرد تسميتها مسلمة كاف لنصر اللّه إياها وان خالفت هداية دينه بالظلم والفسق والكفر في زعمائها وإارهم عليه من دهمائها وخالفت سننه في تنازع البقاء وتوقفه على كمال الاستعداد كما قال ( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ) وقال ( وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ) ولم يقيموا شيئا من هذه الأوامر والنواهي بل